مرتضى الزبيدي
242
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الأصل الثامن : أن علمه قديم فلم يزل عالما بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته . ومهما حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي . إذ لو ربك وبعد أهل النار لم يدخلوا ، والمعنى سينادون . ولو أخبرنا بهذا بعد دخول أهل النار النار فالخبر انهم قد نادوا ، فكذلك لو أخبرنا عن حال موسى عليه السّلام قبل وجوده ، فالخبر سيقول لموسى اخلع نعليك ، وبعد موسى فالخبر قلنا لموسى اخلع نعليك . فهذا الاختلاف لا يعود إلى نفس كلام اللّه عز وجل فتفهم اه . وفي شرح العمدة للنسفي فإن قيل : لو كان كلامه قديما لكان آمرا ناهيا في الأزل وهو سفه سواء كان عبارة عن الحروف والأصوات أو عن المعنى القائم بالنفس . وهذا لأنه ما كان في الأزل مأمور ولا منهي ، والأمر والنهي بدون حضور المأمور والمنهى سفه ، فإن الواحد منا لو جلس في بيته وحده ويقول : يا زيد قم ويا بكر اجلس لكان سفها ، فكيف يصح أن يقول في الأزل ( اخلع نعليك ) أو ( خذ الكتاب بقوة ) وموسى ويحيى معدومان ؟ قلنا : نعم لو كان الأمر ليجب وقت الأمر ، فأما الأمر ليجب وقت وجود المأمور ، والنهي ليجب عليه الانتهاء عند وجوده ، فهذا حكمه . ألا ترى أن المنزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان أمرا ونهيا لمن كان موجودا ولمن يوجد إلى يوم القيامة ، وكل من وجد وبلغ وعقل وجب عليه الأقدام على المأمور والانتهاء عن المنهي عنه بذلك الأمر والنهي ولم يكن ممتنعا كذا هنا . فإن قيل : أخبر اللّه تعالى عن أمور ماضية كقوله : وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ [ يوسف : 58 ] إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ نوح : 1 ] إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] وهذا إنما يصح أن لو كان المخبر عنه سابقا على الخبر ، فلو كان هذا الخبر موجودا في الأزل لكان الأزلي مسبوقا بغيره وهو محال ، ولو لم يكن المخبر عنه سابقا على الخبر لكان كاذبا قلنا : اخبار اللّه تعالى لا يتعلق بزمان لأنه أزلي والمخبر عنه متعلق بالزمان والتغير على المخبر عنه لا على الاخبار الأزلي اه . ( الأصل الثامن : أن علمه ) تعالى ( قديم ) أزلي لا ابتداء لوجوده ( فلم يزل ) ولا يزال ( عالما بذاته ) المقدسة ( وصفاته ) المشرفة ( وما يحدثه ) ويوجده ( من مخلوقاته ) الكائنة في علمه . وهذا ضروري أيضا فإنه تعالى لا يتصف بحادث لأنه لو جاز اتصافه بالحوادث لجاز النقصان عليه والنقصان عليه باطل ومحال إجماعا . بيان اللزوم أن ذلك الحادث إن كان من صفات الكمال كان الخلو عنه مع جواز الاتصاف به نقصا وقد خلا عنه قبل حدوثه ، وإن لم يكن من صفات الكمال امتنع اتصاف الواجب به لأن كل ما يتصف به الواجب يكون كمالا ، وأيضا لو اتصف بالحادث لكان قابلا له ولو كان قابلا له لما خلا عنه أو عن ضده ، والإلزام الترجيح من غير مرجح وضد الحادث حادث ، وما لا يخلو عن الحادث حادث لما مر . وأيضا لو اتصف بالحادث لكان محلا للإنفصال ، وكل منفصل مفتقر إلى ما انفصل عنه ، وكل مفتقر ليس بواجب الوجود وقد فرض واجبا هذا خلف . ( ومهما حدثت المخلوقات ) في أزمنة مختلفة ( لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي )